قدمت عام 2008 على ما أذكر سلسلة حوارات صحفية مع كبار مخرجي الدراما التليفزيونية أذكر منهم ابراهيم الصحن وابراهيم الشقنقيري أحمد بدر الدين وغيرهم, واستكمالا للموضوع اقترح على الزميل الراحل محمد عيداروس وكان نائبا لرئيس تحرير مجلة "شاشتي" تنفيذ سلسلة موازية لموضوعات صحفية اختار لها عنوانا واحدا هو " ملوك الورق" والحقيقة ان الفكرة أعجبتني ونفذت منها على ما أتذكر سبعة حوارات صحفية مع كبار كتاب الدراما التليفزيونية في ذلك الوقت ومنهم أسامة أنور عكاشة ومحفوظ عبد الرحمن ويسري الجندي ومجدي صابر ومحمد جلال عبد القوي وعاطف بشاي, وبالطبع ومن الناحية المهنية اختلفت الأسئلة لكل واحد منهم تبعا لتجربته الإبداعية لكن القاسم المشترك بين الجميع كان السؤال عن فكرة الكتابة نفسها وطقوسها وآلياتها لدي كل منهم, والغريب أن الإجابات لم تختلف كثيرا بين "ملوك الورق" وتمحورت كلها حول الدأب والتركيز لكن الفارق الأهم كان هو الاستمراية التي كانت ميزة كبيرة اشترك فيها هؤلاء الكبار, وهو ما كان له الأثر الأكبر في صياغة النقاد والصحفيين لما أطلق عليه اصطلاحا في تلك السنوات "الخمسة الكبار" الذين سيطروا على الدراما التليفزيونية وبالتحديد الموسم الأشهر منها وهو الموسم الرمضاني.
والحقيقة أن الكتابة في حد ذاتها عملية مرهقة جدا سواء كان المنتج منها عملا ابداعيا أو حتى مقالا صحفيا يحتاج لجهد كبير بداية من اقتناص الفكرة وتحضير المعلومة وتوثيقها واختيار ميكانزم التنفيذ وحتى المراجعة النهائية, وإن اختلفت المعاناة من مرحلة الكتابة على الورق التي توقفت عنها تماما منذ 2013 تقريبا وحتى مرحلة الكتابة على الكمبيوتر مباشرة والتي كنت أظن أنها الأسهل وهى بالفعل كذلك على الأقل ظاهريا, لكنني اكتشفت مع مرور السنوات قيمة وجمال الكتابة على ورق "الدشت" بكل مافيه من إحساس وانغماس واسترسال في عملية الكتابة.
أذكر في السنوات الأولى من عملي الصحفي كيف كنت أراقب صديقي الكاتب والسيناريست طارق بركات وهو يقوم بأعمال المراجعة في مجلة "شاشتي", كان يكتب العنوان ثم يمحوه ويكتب غيره أو يمزق الورقة, وأحيانا كان بعد كتابة العنوان يمسك الورقة ويبعدها عن عينيه "زي مخرجي السينما" ليتأمل العنوان من بعيد قبل أن يعتمده كمنتج نهائي, هذه الملاحظة لفتت نظري لأنني كنت أفعل ذلك بالفطرة في الكتابة الصحفية, وكنت أظن أن هذا الأمر نتيجة قلة الخبرة قبل أن أدرك أن التجربة والخطأ والتصحيح والمراجعة هي أساس في عملية الكتابة, وهى طريقة كنت أعتمدها في كتابة القصة القصيرة حيث كنت أحيانا أنتحي جانبا في الطريق لأكتب فكرة أو جملة افتتاحية على أي ورق يتصادف وجوده معي, وفي البدايات لم أكن أجرؤ على المراجعة قبل أن ينبهني الكاتب الراحل محمد عبد المطلب إلى ضرورة المراجعة, كانت تتنازعني في تلك المرحلة المفاضلة بين الحفاظ على دفقة الكتابة الأولى التي تفتقد أحيانا إلى الوعي الكامل ومابين التدخل والتصحيح وإعادة الكتابة من جديد, وهو ما كنت أعتمده في آلية الكتابة الصحفية قبل أن أدرك أن مايصلح للكتابة الإبداعية التي تتحمل أن يضع كل مبدع قواعده الخاصة ويستخدم أدوات الإبداع كما يحلو له, ومابين العمل الصحفي الذي يخضع لقواعد عامة يتفق عليها الجميع تبدو فيها حرية الحركة محدودة بمساحة صغيرة تقبلها هذه القواعد المهنية.
مع الوقت أدركت أن قرار التوقف عن الكتابة على الدشت كان خطأ كبيرا وأن الاستسهال في الاعتماد على الكمبيوتر لم يقدم الأثر الحقيقي الذي كنت أتوقعه, صحيح أن الكتابة والتعديل والتصحيح أصبح أكثر سهولة في الكتابة وبالذات الكتابة الصحفية وبالتحديد المراجعة أو "الديسك" الذي أعترف أنني لا احبه رغم الإلحاح المستمر من كل رؤساء التحرير الذين عملت معهم على ترشيحي للعمل به, لم أحبذ أو أقبل الفكرة نهائيا رغم بريقها و"برستيجها" الذي يعرفه الصحفيون جيدا, لم اكن أرغب في أن أتدخل في عمل غيري أو أن أمارس سلطة التعديل واحتكار"الرؤية المهنية" لموضوع صحفي لزميل آخر.
أعود للكتابة على الدشت التي ما أن توقفت عنها حتى توقفت عن كتابة القصة أو حتى مشروعات الدراما التي كنت أخطط لها, اعتمدت على الكمبيوتر حتى أصبح التوقيع - مجرد التوقيع- معاناة شديدة, وأدركت ان الكتابة على الورق ومن خلال القلم لها سحر خاص "يستجلب" الإبداع ويفتح أمام الوجدان آفاقا أرحب, كما أدركت أن الشطب والمحو والتعديل يحفظ للمبدع أو الصحفي كيف تطورت فكرته وماهي النوافذ التي كان يمكن أن يفتحها لإثراء موضوعه أو إبداعه, فقد يكتب الواحد منا جملة ثم يمحوها ثم يرى في النظرة الأخيرة على منتجه انه من الأفضل أن يعود إليها.
المهم أنني أدركت أيضا بعد سنوات أن الكتابة على الورق تمثل نوعا من التفريغ وتصفية الذهن ولذلك ينصح علماء النفس بها كحلول ناجزة وأساسية للتخلص من التوتر, ويعتمدها كبار الكتاب والأدباء كنوع من الإرتباط الوجداني بالعمل من خلال علاقة خاصة يصبح فيها الشطب والتعديل نوعا من الحفاظ على "طزاجة" الفكرة, وشاهدا على تطورها بعكس ماتفعله دقات "الكيبورد" من زيادة التوتر, وانقطاع ذهني وزمني بين بدايات فكرة الكتابة أو ما نسميه "الفكرة بعبلها", إذ ربما تمحو فكرة أو جملة ثم ترى العودة إليها مرة أخرى وهى حركية وإمكانية لا تتوفر في الكمبيوتر..ورق "الدشت" يتذكر ذلك بينما لا يحتفظ "ماوس" الكمبيوتر بمراحل نمو الكتابة وتغيرات بناء الفكرة ..الدشت يوفر صلة غير مرئية بين الكاتب ومنتجه الإبداعي, بينما قد تصيب إطالة النظر في شاشة بيضاء الكاتب بالدوار أحيانا, واحيانا أخرى بالتشتت.
هون عليك- أقول لنفسي- يبدو أنك "كبرت الموضوع قوي", لا ولكني استيقظ أحياناً وبداخلي رغبة كبيرة في الإنجاز, أو عمل شيء مختلف وجديد, لكن قد يفاجئني ما "يعكنن" المزاج .. صداع خفيف، وجع في أي مكان في الجسم ودونما سبب فتصطدم بالصورة المثالية للإبداع التي تروج لها "السوشيال ميديا" أو أو شباب روايات عبير العاطفية! قهوة أو شاي أو أي مشروب مفضل، وتركيز كامل وصفاء ذهني لا تشوبه شائبة, الورق والقلم و" اكتب يا كاتب", والحقيقة أن هذا الجو أصبح من الماضي في ظل الاعتماد على "الكمبيوتر" والغرق في تنبيهات الموبايل الذي يولد للفكرة ألف فكرة, ويشتت الذهن بين ألف معلومة ومعلومة ويصبح من الصعوبة بمكان الاستقرار على حدث معين, أو أن تستغرقك فكرة ما, وأحيانا تبدأ الكتابة في موضوع ما لتجد نفسك وقد كتبت واسترسلت في موضوع جديد ونحيت الفكرة الأولى لوقت آخر, تماما كما يفعل كتاب الدراما احيانا عندما يترك بطله الذي رسم حدود شخصيته ليتحرك في أركان عمله الابداعي كما يحلو له وحسب طبيعة شخصيته التي غزلها الكاتب لكن في حدود رغبة المبدع طبعا.
استيقظت في صباح اليوم وقد انتويت تغيير الطريقة والابتعاد عن الكمبيوتر وأغلقت "الموبايل" وحاولت تهيئة جو "السوشيال ميديا" الخيالي ..ورق وعدة أقلام ومشروب مفضل, ومع أول جملة وتصحيح طويت الورق ونحيت القلم جانبا واستلمت يدي اليسرى لأضغط زر فتح "الكمبيوتر" لتتناغم دقات "الكيبورد" مع فيروزيات الصباح.. وأتذكر بعيدا عن عمق كارتون "ناروتوشيبودن" جملة يرددها دائما صديقي العزيز الكاتب الصحفي على رزق "طرق عديدة.. ولا مفر"!.